الحادي والعشرون من مارس

بقلم/ أ.ف.عموري

21marchالحادي والعشرون من مارس هو اليوم الذي اختاره المجلس الطبّي الأعلى ليمنح سامر جائزته الطبية الأرفع من نوعها لفِصله توأماً سيامياً بنجاح. لم يكن هذا التاريخ يعني له شيئاً بشكلٍ خاص فقد كان مجرد ورقة اعتاد ان ينزعها كلّ سنة – كأيّ ورقةٍ أُخرى – من أوراق التقويم المعلقة بإهمال على حائط في غرفته التي نشأ فيها.

عندما وصل منزله, كان يودّ أن يُخبر والدته بأعظمِ إنجازٍ في مسيرته الطبيّة ولكنّه فكّر: “ما الفائدة؟ فأمّي لن تميّز الفرق بين عملية فصل توأمٍ سيامي وبين تشخيص أحدهم بمرض الزُكام” فقد كانت والدته أمّية لم تحظى بتعليم رسمي. واستطرد: “هذا إن تذكّرت من أكون” فإصابة والدته بمرض ألزهايمر جعلها تفقد ذاكرتها بشكلٍ مؤقت في معظم الأحيان.
تلكَ الليلة, نزعَ ورقة العشرين من مارس ليلفت نظره عنوان لطالما تجاهله “يوم الأمّ العالمي”. كان إنساناً عملياً بطبعه لا يكترث للرسميّات ولا يوجد للمشاعر مكانٌ في عالمه فأدار رأسه مبتعداً خائفاً من أن يستسلم لمشاعره فقد كان يَعتبرُ ذلك ضعفاً, ليلفت نظره شيءٌ آخر؛ سرير طفولته. وبرقَ في ذِهنهِ فوراً صورته حينما كان في الثامنة من عمره معتلّاً راقداً في فراشه, وصورة الطبيب وهو يقول لوالدته من خلف كمّامته الطبيّة أنّه لن يعيش أكثر من بضع ساعاتٍ أخرى ويجب على جميع من في البيت أن يتجنّب الاقتراب من سريره لأن مرضه قد يكون مُعدياً. أغمضَ سامر عينيه واستسلم للصورة الأخيرة التي طالما حجبها في ذاكرته, صورة والدته محتضنةً جسدهُ الصغير الواهن في فراش الموت وقد رفضت أن تتخلّى عنه في ساعاته الأخيرة بالرغم من تحذير الطبيب الشديد في الخوفِ من عدوى قاتلة مُحتملة. أدركَ الآن أن والدته لم تَحتَج إلى شهادة في الطبّ لتعرف أن قوّة حنانها كافية لأن تحميه حتّى من ملك الموت, في الوقت الذي لعبَ فيه الطبّ السريري جميع أوراقه وخرجَ مهزوماً.
ذَهبَ إلى غرفتها ليجدها نائمة في سريرها, فاقترب منها بهدوء وتأمّل وجهها المُسالم, لتتملكه نزوة غريبة في أن يحتضن يديها بين يديه. كان يمرّ بأصابعه على كل تجعيدة في حرصٍ شديد وكأنّه يريد أن يقرأ ماتُخفيه تلك الأخاديد من أسرار إلى أن فاضَ قلبهُ بالمشاعر بعد أن أدركَ الآن أنّ كلّ تجعيدة في يدها هي الثمن الذي دفعته والدته لتصلَ بهِ إلى ماوصل إليه.
وبينما كان يُصارع المشاعر المختلطة التي اعتمرت في داخله, أحسّ بأمّه تستيقظ وتنظر بعينيه مباشرة وعلى وجهها ارتسمت ابتسامة. تلك الابتسامة ذاتها التي كانت ترسمها دائماً كلما أخبرها بتحقيقه لإنجازٍ جديد منذُ أن كان طفلاً صغيراً وأخبرها بنجاحه للصف الثاني. أدركَ أنّ أمه ليست بحاجة إلى تحصيلٍ علمي لتعرف إلى أي مدى يجب أن تكون فخورة بابنها الوحيد, بل ليست في حاجة لأن تملك عقلاً سليماً من ألزهايمر لتدرك أن سنين كفاحها الطويلة في سبيل ابنها لم تذهب هباءً.
واصلَ احتضان يديها والنظر في عينيها المتعبتين بدون أن يتكلّم. أصبحَ يَعي الآن أنه لا يحتاج للكلام ليتواصل مع من كان جزءاً منه يوماً ما.

One thought on “الحادي والعشرون من مارس

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *