حرف الألف

حرية … كرامة… عدالة… ديمقراطية
كلماتٌ بدأت تقعُ كلَّ يومٍ على مسامعِ ليلى الصغيرة
كلماتٌ جديدةٌ لم تسمعها بهذه الغزارةِ من قبل، وبدا لـليلى أن هذه الكلمات تحملُ معانٍ مهمة، ورغمَ أنَّ ليلى تعرفُ الكثيرَ، لكنها لم تكن تعرف تلك الكلمات بعد.
layla111فكرت ليلى بالأشياءِ الكثيرةِ التي تعلَّمَتها، فهي تعرفُ معنى الصدقِ لأنها تقول الحقيقةَ دائماً ولا تكذب؛ وتعرفُ أحياناً معنى الغضب، لأنها تشعرُ به عندما لا يستمعُ الكبار لتساؤلاتِها أو عندما يُطلبُ منها عدمُ المقاطعة؛ وتعرف معنى الصبر لأنها تتحمل أعباءَ الدراسةِ والواجبات؛ وتعرف أيضاً معنى الحب لأنها تحب أبويها وأختها كثيراً !
ولكن هذه الكلماتِ الجديدةَ ذكَّرت ليلى أن هناك أشياء كثيرة يجب أن تتعلمها، تماماً كما تتعلمُ الحروفَ الأبجدية وتكتب كلماتٍ تبدأُ بها كل يوم.
ولأن ليلى تحبُ المعرفةَ والتعلمَ وتحبُ أن تسألَ عن كل شيءٍ يثيرُ فضولها فقد ذهبت إلى والدها لتسأله
ليلى: بابا ؟
بابا: نعم يا ليلى؟
ليلى: ما معنى كلمة كرامة وعدالة التي أسمعها كل يوم في كلِ حديث؟
بابا: هذه معانٍ كبيرةٌ يا صغيرتي ولكن هذا لا يعني أنها للكبار فقط، فرغمَ أنّكِ مازلت طفلةً يا بنيتي إلا أنك تعاصرين حدثاً تاريخياً مهماً في العالمِ يدعى بالربيعِ العربيِّ …
ليلى “مقاطعةً ومتلهفةً”: الربيع العربي؟! وهل فيه أزهارٌ وعصافيرٌ يا بابا؟
بابا: نعم يا ليلى الحلوة ! فيه أزهارٌ كثيرةٌ، وفيه عصافيرٌ جميلةٌ وهذا ما أردتُ أن أحدِّثك عنه. أزهارُه هي أفكارُه، وعصافيرُه هي أحلامُه التي سيطير بها .
ليلى: ماذا تقصدُ يا بابا؟
بابا: أقصدُ أن هذه الكلماتِ لها معانٍ كانت تكبر معنا وحملنا بذورها في داخلنا حتى جاءَ اليومُ الذي آنَ فيه أن نتحدثَ بها، وها هي كالنباتاتِ الصغيرةِ بدأت تزهر.
ليلى: أنا أحبُ الأزهارَ يا بابا وإذا كانت هذه المعاني مثلُ الأزهارِ فسأحبها أيضاً
بابا: عندي فكرةٌ يا ليلى قد تعجبكِ يا ليلى !
ليلى: ماذا يا بابا ؟
بابا: بما أنك تتعلمين الأحرفَ الأبجديةَ، سوف نكتشفُ معاً أزهارَ الربيعِ العربيِّ ونتعلمُ من خلالها الألف باء، ما رأيكِ؟
ليلى – بابتسامةٍ كبيرةٍ -: أنا موافقة
بابا: هذا خبرٌ جيدٌ، سأشرحُ لكِ كلَّ يومٍ معنى كلمةٍ من مفرداتِ هذا الربيعِ، وستكون مثلَ الزهرةِ الجميلةِ الملونة.
ليلى: دعنا نبدأُ الآن !
بابا: أنا موافقٌ، سنبدأُ بحرفِ الألف. ألفٌ: أنتِ!
ليلى: أنا يا بابا ؟
بابا: نعم يا ليلى، أنتِ! أنتِ إنسانٌ !
وكلمةُ إنسانٍ تبدأ بحرفِ الألفِ. تذكَّري بأن هذا الربيعَ قد جاءَ أولاً من أجلِ الإنسانِ. تماماً كما تبدأُ الأبجديةُ بحرفِ الألفِ يبدأُ كلُ شيءٍ بالإنسانِ.
ليلى: لماذا يبدأُ كلُ شيءٍ بالإنسانِ يا بابا؟
بابا: الإنسانُ حملَ أمانةَ اللهِ في الكونِ، الأمانةُ التي رفضت السمواتُ والأرضُ والجبالُ أن تحملها يا حبوبتي، ولكنَّ الإنسانَ حملها.
ليلى: وما هي هذه الأمانةُ يا بابا؟
بابا: العقلُ يا ليلى، العقلُ.
ليلى: كيف يا بابا؟
بابا: الإنسانُ هو أحدثُ مخلوقاتِ اللهِ على الأرض، وهو مشروعٌ عظيمٌ يا ليلى، هذا الإنسانُ أكرمَه اللهُ بإعطائِه دماغاً ذكياً يعقلُ به ويفكرُ ويكتشفُ ويسألُ ويتعلمُ، تماماً كما تفعلين أنت الآن.
بالعقلِ يا بنيتي نكتشفُ قوانينَ الكونِ ويتسخرُ العالمُ كلُّه للإنسانِ بما فيه الإنسانُ نفسُه، فيزولُ الكرهُ والحقدُ والعنفُ والظلمُ والمرضُ والجهلُ والفقرُ ويحلُّ محلَّها الإحسانُ والصدقُ والخيرُ والعدلُ والرفاهُ والعافيةُ. هذه هي الكرامةُ يا بنيتي، عندما يحلّ الخير بينَ الناسِ ويصبحونَ سواسيةً يتساوون في الحقوق والواجبات !
ليلى: واو، وهل هذا ممكنٌ يا بابا؟
بابا: نعم يا ليلى، إنَّه ممكنٌ عندما نفهمُ سننَ اللهِ في الكونِ وفي أنفسنا، ونسخِّرُها لخيرِنا وخيرِ غيرنا. يقول تعالى: إنَّ أكرمَكم عندَ اللهِ أتقاكمlayla112
ليلى: يعني أنا مكرَّمة عندَ اللهِ يا بابا؟
بابا: نعم يا حبيبتي، طالما أنكِ تفكرين وتعقلين أمورك !
ليلى: وأصدقائي كميل وجعفر ونيفين ؟
بابا: صحيح !
ليلي: هذا يعني أنهم كلُّهم يحمِلونَ الأمانةَ معي يا بابا ؟ أمانةَ العقلِ ! هذا يعني بأنّ الربيعَ قد جاءَ من أجلِنا كلّنا !
بابا ضاحكاً: هذا الربيعُ جاءَ يحملُ مستقبلاً مليئاً بالحبِ لكم، أجل يا حلوتي
والأملُ فيه لكِ ولكلِ أصدقائِك يا عيون بابا.

خلدت ليلى الصغيرة إلى النومِ في تلك الليلة وهي في غايةِ السعادة !
لقد تعلمت أنَّها هي وكلُّ أصدقائِها على غايةِ الأهميةِ !

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *