ليلى وأبجدية الربيع – حرف الظاء

 

26

درجت العادة في صف ليلى أن يحتفل طلاب الصف جميعاً بعيد ميلاد أيٍّ منهم بحيث يحضرون الحلويات ويشعلون الشموع ويغنون ويتمنون عمراً مديداً لصاحب المناسبة. في هذه المرة كانت المناسبة مختلفةً قليلاً لأنها كانت عيد ميلاد المعلمة سناء. اجتمع الطلاب جميعاً وقرروا أن يجعلوا من الحفل مناسبةً خاصةً وناجحة وقرروا أن يحضر كل منهم هديةً جميلةً للمعلمة.

عادت ليلى إلى المنزل وحدثت والديها بالأمر وطلبت منهم المساعدة في تمويل مشروعها وفي اقتراح أفكارٍ مناسبةٍ للهدية، وأمضت ليلى ذلك المساء شاردةً تفكر فيما يمكن أن تشتريه لمعلمتها. كان هناك حديث خافت يدور بين والدها ووالدتها عن عائلة أصدقائهم ولكنها لم تفهم محتوى الحديث وبقي في ذهنها منه أصداء كلماتٍ مبهمةٍ عن النزوح، التشرد، التبرعات. لم تشغل ليلى بالها كثيراً بالحديث الذي دار بين والديها وعادت إلى عالمها وهداياها ومدرستها.

في اليوم التالي ذهبت ليلى مع والدتها إلى السوق واشترت شالاً جميلاً لمعلمتها اختارته بمساعدة أمها. حرصت ليلى على أن يتم تغليف الشال بشكلٍ أنيق وحملته بكل حرص حتى لا تنفك العقدة الرائعة التي صنعها البائع بخفةٍ لتزين غلافه.

وفي يوم عيد ميلاد المعلمة احتفل الطلاب وغنوا للمعلمة وأكلوا من الحلويات التي أحضروها وقدموا لها هداياهم. لاحظت ليلى أن هبة لم تحضر أي ّهدية للمعلمة وهمست لكميل بما رأته، وبدوره نقل كميل الخبر إلى جعفر وهكذا حتى لم تمض دقائق على نهاية الحفل حتى بدأت إشاعةً كبيرةً تسري في الصف أن هبة تكره المعلمة سناء ولا تحبها أبداً.

في اليوم التالي بدأت الإشاعة بالتضخم وساهم فيها الجميع من حيث لا يدرون..
ليلى: لقد كنت أشك بأن هبة تخفي أمراً ما، ألم تلاحظوا كيف كانت أول من خرق الاتفاق السابق وغيرت لون كنزتها وتركت اللون الأزرق في المرة الماضية؟
كميل: أجل، أجل. وها هي الآن قد رفضت مشاركتنا الاحتفال بعيد معلمتنا المحبوبة سناء. أعتقد أننا يجب أن نحذر من ألاعيب هبة.
جعفر: أنا لا أعتقد أن في الأمر سوء نيّة يا كميل، وربما هبة لا تحب الهدايا ولا الاحتفالات. على كل حال لقد خذلتنا هذه المرة بحق عندما لم تحضر للمعلمة أية هدية، لقد شعرت بالخجل حقاً من تصرفها.

وهكذا رويداً رويداً نمت بين الطلاب مشاعر إقصاءٍ تجاه هبة التي بدأت تشعر ببرود الطلاب تجاهها وتجنبهم لها.

في ذلك المساء وبعد تناول العشاء في المنزل، سمعت ليلى نفس الحديث السابق يدور مجدداً بين والديها ولكنه كان اليوم أوضح.
الأب: أعتقد أن علينا أن نقف مع عائلة السيد رشدي فهم يمرون بظروفٍ عصيبة.
الأم: أجل، أعرف هذا وقد تحدثت مع زوجته وسوف أزورها غداً أنا ونساء الحي لكي نتعرف على الوضع عن كثب.
الأب: جميل، وأنا قد طلبت من أصدقائي التبرع بما يستطيعون وسأجمع المبلغ منهم في نهاية الأسبوع.
ليلى: هل تتحدثون عن عائلة السيد رشدي والد هبة؟
الأم: نعم.
ليلى: وماذا حل بهم؟27
الأم: لقد خسر أقرباؤهم منازلهم في سوريا، وأصيبت والدة السيد رشدي، جدة هبة، إصابةً خطيرةً بسبب الحرب.
ليلى: يا إلهي! ومتى حدث كل هذا؟
الأم: الشهر الماضي. لقد اضطر والد هبة إلى دفع مبالغ كبيرةٍ من المال لمساعدة والدته وإنقاذ حياتها ويبدو أن العائلة قد استنفذت كل مدخراتها في هذه المحنة.

تغير وجه ليلى فجأة، وشعرت بالخجل والحزن والأسى والمهانة دفعة واحدة، وبدأت مشاهد الحفل في المدرسة والهدايا تعود إليها وفهمت لماذا لم تحضر هبة هديةً للمعلمة. شعرت ليلى بأنها وأصدقاءها ظلموا هبة بدون وجه حق.

في اليوم التالي بدت هبة حزينة وهي تقف وحدها في باحة المدرسة تنظر من بعيد إلى طلاب صفها يتهامسون وينظرون إليها، ولكنها ما لبثت أن تفاجأت عندما رأتهم جميعاً يتقدمون نحوها ورؤوسهم منحنية تتقدمهم ليلى التي بادرتها بالقول:
– عزيزتي هبة، نحن مدينون لك باعتذارٍ كبير.
هبة: ماذا يحدث، أنا لا أفهم جفاءكم ثم اعتذاركم؟!
ليلى: لقد ظننا بك السوء يا هبة، وظلمناك. لقد اعتقدنا أنك لا تحبين المعلمة لأنك لم تحضري لها هدية ولكنا عرفنا ظروف عائلتك ونشعر بالخزي من أنفسنا. نرجوك أن تقبلي اعتذارنا.
هبة: لا عليكم يا أصدقائي، وشكراً لكم على صراحتكم. لقد كنت أشعر بضيقٍ شديدٍ بسبب جفائكم ولكني سعيدة الآن بكم.
تصافح الأصدقاء وقد تعلموا جميعاً أن يحسنوا الظن ببعضهم وأن لا يظلموا بعضهم أبداً.

 

شاركEmail this to someoneShare on Google+Share on FacebookDigg thisPin on PinterestShare on StumbleUponTweet about this on TwitterShare on RedditShare on TumblrShare on LinkedIn

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *