ليلى وأبجدية الربيع – حرف الضاد

24

أمضت ليلى نهارها في المدرسة سعيدة فرحة مع أصدقائها، ركضوا، ولعبوا، وهتفوا، وتسابقوا. وكان المميز في ذلك اليوم أن جعفر كان قد أحضر معه كرةً، فتشارك الجميع في متعة اللعب بها أثناء الفرصة في باحة المدرسة، استمتع الكل بتقاذف الكرة، وبالجري وراءها، وبأخذها من الفريق الخصم، وبمحاولة الاحتفاظ بها، حتى أدركهم الوقت، فانتهت الفرصة قبل انتهاء اللعب.
وقبيل انتهاء الحصة الأخيرة من الدوام المدرسي، غادرت المعلمة الصف لبضع دقائق لأمر هام، فوجدها الأطفال فرصة سانحة لمتابعة اللهو واللعب بالكرة. أخرج جعفر كرته في غرفة الصف، وبدأ اللعب حتى بلغ التدافع والتسابق والضحك ذروته، وفجأةً حدث أمرٌ لم يكن في الحسبان!
سدد كميل الكرة بقوةٍ، فاصطدمت بقدم ليلى، ثم ارتدت مباشرةً نحو نافذة الصف.
لم يصدق الأطفال أعينهم، عندما رأوا النافذة تتحطم بلمح البصر، وشظايا الزجاج تتناثر في كل صوب.

بدا الارتباك واضحاً عليهم جميعاً، وخاصة أن لعب الكرة في الصف ممنوع، فماذا سيقولون الآن للمدرسة، ولمديرة المدرسة؟ كيف سيتدبرون أمر حطام الزجاج المتناثر في كل مكان؟
كان سيل الأسئلة يعصف بأذهانهم جميعاً، عندما عادت المعلمة فجأةً، لترى هذا المشهد أمامها.

المعلمة: ماذا حدث؟ كيف انكسر الزجاج؟ هل أنتم بخير؟ هل جرح أحد؟
الأطفال: نحن بخير. قالوها بصوتٍ خافتٍ خجل.
المعلمة: ماذا حدث؟ من الذي كسر الشباك؟
ساد صمت مطبق أرجاء الصف، وأطرق الجميع رؤوسهم، متجنبين النظر في عيون المعلمة، التي بدأت تظهر عليها أمارات الغضب.
المعلمة: حسناً، بما أنكم ترفضون أن تخبروني بما حدث؛ فأعتقد أنكم جميعاً ستتحملون مسؤولية كسر الزجاج. لقد انتهى دوام اليوم، ولكنكم سوف تعاقبون جميعاً غداً بسبب مشاغبتكم.
قالت المعلمة هذا بصوت غاضب، وطلبت من الطلاب مغادرة الصف جميعاً.

عندما عادت ليلى إلى البيت، كانت أهدأ من العادة، وبدت مشوشة وحزينة، حيث التزمت الصمت لساعات، على غير عهدها. شعر والداها بأن أمراً ما قد حدث معها، وحاول والدها أن يستفسر منها …
الأب: أراك هادئة وصامتة يا ليلى، هل هناك ما يزعجك؟
لم ترد ليلى على السؤال، وتجنبت النظر في عيني والدها.
الأب: أخبريني يا بنيتي إن كان هناك ما يزعجك، ربما أستطيع مساعدتك.
ليلى: لا، لن تستطيع مساعدتي! قالتها بعصبية، وقد اغرورقت عيناها بالدموع.
الأب: تعالي لنجرب، أخبريني.. ولنر ما يمكن عمله.

ليلى: لا أدري من أين أبدأ.
الأب: لنبدأ من مشاعرك، لماذا أنت غاضبة وحزينة؟
ليلى: لقد انكسر الشباك في الصف، والمعلمة تحمل الصف كله المسؤولية.
الأب: حسناً، ولماذا أنت منزعجة للغاية؟ وكيف انكسر الشباك؟
ليلى: كنا نلعب بكرة جعفر، وعندما رمى كميل الكرة، اصطدمت بي ،ثم ارتدت إلى الشباك فكسرته. أنا السبب.
الأب: إذا كنت أنت السبب، لماذا سيتعاقب الصف كله إذا!
ليلى (وهي تبكي): لأني خفت أمام المعلمة ولم أتجرأ أن أقول لها أني أنا السبب! لقد كانت غاضبة جداً.
الأب: حسناً يا ليلى، لقد أخطأت حتماً أنت وأصدقاؤك باللعب بالكرة في داخل غرفة الصف؛ مما أدى إلى كسر الشباك.
ليلى: أعرف هذا، وأنا حزينة وغاضبة وخجلة من المعلمة.
الأب: الأخطاء تحدث يا بنيتي.. والتحدي الحقيقي هو كيف نتعامل معها، ونتحمل مسؤوليتها.
ليلى: ماذا تقصد؟
الأب: أنت تشعرين بالحزن والخجل بسبب تأنيب الضمير.
ليلى: ماذا تعني بتأنيب الضمير؟
الأب: عندما نرتكب خطأً ما، ولا نصلحه، أو نتحمل مسؤوليته، فنحن نشعر في داخلنا بأن شيئاً ما ليس على ما يرام. هناك بوصلة في أنفسنا، تدلنا عندما نخطئ، وترشدنا إلى أخطائنا، إذا تعلمنا كيف نستخدمها.
ليلى: وماذا علي أن أفعل، حتى أتخلص من هذا الشعور يا بابا؟
الأب: عليك أن تعترفي بذنبك، وتعتذري عنه، وتتحملي مسؤوليته. ربما عليك أن تتحدثي غداً مع الإدارة، حتى لا يتعاقب أصدقاؤك جميعاً.

في اليوم التالي ذهبت ليلى مبكرة إلى المدرسة، وتوجهت إلى غرفة الإدارة، لتعترف بمسؤوليتها عما حدث أمس، ولكنها فوجئت بوجود كميل وجعفر هناك أيضاً، يتحدثان مع المديرة.

جعفر: سيدتي المديرة، أنا من أحضر الكرة إلى الصف بدون إذن، وأنا من يتحمل مسؤولية كسر الشباك. لقد كنت أشعر بضيق شديد أمس بعد المدرسة، وتحدثت مع والديّ، وقررت بعد المحادثة بأن أتحمل مسؤولية خطأي، وأن أقدم اعتذاري، حتى أريح ضميري.
كميل: لا.. لا، هذا ليس صحيحاً. أنا من رمى الكرة، وأنا من يتحمل المسؤولية. أمي قالت لي أمس أن الإنسان يجب أن يتحمل مسؤولية أخطائه، وأن يعترف بها. لذلك رجاء سيدتي المديرة، لا تعاقبي أصدقائي جميعاً فأنا السبب.
ليلى: صحيح أن كميل هو من رمى الكرة، ولكنها لو لم تصطدم بي، لما اتجهت نحو زجاج النافذة. لقد شعرت أمس بتأنيب الضمير، وقررت أن أعترف، وأن أتحمل مسؤولية فعلتي، وأنا هنا لأقرّ بأني أنا السبب.

المديرة: أولادي الأحباء، شكراً لكم على صراحتكم، وصدقكم، واستماعكم لضمائركم. إن مواجهتكم الشجاعة للموقف تدفعني أن أسامحكم جميعاً، وليكن هذا درساً لنا جميعاً؛ بأن نتحمل مسؤولية أفعالنا وأخطائنا بشجاعة، أنا فخورة بكم حقاً. لقد تم إصلاح الشباك أمس بعد مغادرتكم، وأرجو منكم أن تلتزموا جميعاً بالقوانين، حرصاً على سلامتكم.

شكر الأولاد المديرة، وخرجوا من مكتبها سعداء منشرحين، يركضون إلى صفهم، بعد أن مروا بتجربة حقيقية عن دور الضمير في سلوك الإنسان.

شاركEmail this to someoneShare on Google+Share on FacebookDigg thisPin on PinterestShare on StumbleUponTweet about this on TwitterShare on RedditShare on TumblrShare on LinkedIn

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *