ليلى وأبجدية الربيع – حرف الصاد

23

كما مر معنا فإن استشهاد الدكتور باسم قد أثر على ليلى كثيراً وقد حاولت أن تقف إلى جانب صديقها كميل في محنته الكبيرة. وكان أول يوم داوم فيه كميل بعد الحادثة يوماً حزيناً ومؤلماً لليلى وأصدقائها بقدر ما كان مؤلماً لكميل. حاول الأصدقاء أن يخففوا عن كميل مصابه وأمضوا اليوم كله في الحديث مع كميل عن مشاعره وعن ذكرياته مع والده. وتكريماً لذكرى الشهيد قررت إدارة المدرسة عمل يوم حداد وتأبين دعت إليه أولياء الأمور جميعاً.

عندما عادت ليلى إلى المنزل قصت على والدها أخبار المدرسة وكيف أمضت يومها ذاك وأخبرته بالمستجدات التي حدثت …

ليلى: بابا، لقد جاء كميل اليوم إلى المدرسة
الأب: حقاً؟ وكيف كانت معنوياته؟ وكيف استقبلتموه؟
ليلى: لقد كنا جميعاً معه وواسيناه قدر استطاعتنا، لقد كان حزيناً وصامتاً معظم الوقت.
الأب: كميل بأمس الحاجة إلى صداقتكم وتفهمكم هذه الأيام، أعرف أنكم جميعاً من خير الأصدقاء وأتمنى أن تكونوا عوناً له على الصبر وتخطي هذه المحنة.
ليلى: لسنا فقط من يقف إلى جانب كميل، فإدارة المدرسة تدعمه وتتعاطف معه ولقد قررت أن تقيم حفلاً لتأبين والد كميل وأنت يا بابا وجميع أولياء الأمور مدعوون إليه.
الأب: هذا أمر حسن، وهو أقل ما يمكن أن نقدمه لكميل ولذكرى والده الشهيد.
ليلى: هناك أمر أريد مساعدتك فيه!
الأب: وما هو يا بنيتي؟
ليلى: نفكر بأن نلقي كلمة باسم طلاب الصف وزملاء كميل نتحدث فيها عن مشاعرنا ونواسي بها كميل، وسوف نجتمع غداً بعد الدوام لتبادل الأفكار ووضع صياغة مسودة لما نريد أن نقوله
الأب: جميل، وماذا تريدين مني؟
ليلى: أريد مساعدتك في بعض الأفكار، أريد أن تحدثني أكثر عن الشهادة. كنت قد قلت لي بأن خيار والد كميل بأن يساعد الناس قد منحه الشهادة، صح؟
الأب: نعم.
ليلى: ثم قلت بأن هذا هو أحد معاني الشهادة. أريد أن أعرف ماذا كنت تقصد تماماً بذلك لأني لازلت أفكر بتلك المقولة وبالمعاني المختلفة للشهادة.
الأب: حسن، تعالي لنعد إلى أصول الأشياء ومعانيها الأولية.
ليلى: ماذا تقصد؟
الأب: من أبسط معاني الشهادة في اللغة هو الحضور، أي أن يحضر أحد موقفاً ما أو حدثاً ما ثم ينقله كما حضره بصدق، أو بمعنى آخر أن يصدق في نقل الوقائع كما هي دون تزوير أو كذب أو نقصان.
ليلى: هذا أمر سهل، وأنا أفهمه جيداً.
الأب: جميل. ومن هنا يمكن أن نفهم موضوع الشهادة على صكوك البيع والشراء والزواج وما شابهها. الشهادة بمعناها الأولي تتعلق قبل كل شيء بتوثيق الحقائق والوقائع والصدق في نقلها ونشرها.
ليلى: آها، ومن هنا أيضاً موضوع الشهود في المحاكم وعند حدوث خلافات وجرائم، أليس كذلك؟
الأب: تماماً، يسعدني أنك تستوعبين هذا الأمر المهم لأن هذا المعنى هو القاعدة التي يبنى عليها معنى الشهادة الذي نبحثه. في الحياة تعترضنا مواقف وأحداث وأمور معينة، أمور قد تكون عادية وهامشية كالتي تمر بنا كل يوم وأمور قد تكون كبيرة وتعكس تحولات ضخمة في العالم من حولنا. كلما زادت معرفتنا بالعالم وما حدث فيه عبر التاريخ وما يحدث فيه الآن يترسخ حضورنا فيه.
ليلى: صحيح، ولكن ما دخْلُ هذا بتلك؟
الأب: إن الإنسان لا يجوز أن يكون غائباً عن العالم أو خاملاً تجاه ما يحدث من حوله من أحداث في هذه الحياة، والموقف الذي يتخذه الإنسان من هذه الأحداث هو “شهادته” عليها. لذلك فإن فهمنا للأحداث وموقفنا الصادق منها يشكل شهادتنا عليها. مثلاً، عندما نرى فقيراً أو جائعاً فقد “شهدنا” هذا الحدث، ورد فعلنا عليه هو موقفنا الذي سنحاسب عليه.
ليلى: حسن، هذا أفهمه، وأعتقد أنه موقف واضح وسهل.
الأب: عندما نتحدث بأمثلة بسيطة كمساعدة فقير أو جائع يبدو الأمر يسيراً لأن تكلفته ليس كبيرة، ولكن ربما لا تدركين حالياً مبلغ الصعوبة التي يواجهها الإنسان في اتخاذ موقف صادق من الأحداث حوله!
ليلى: حقاً؟
الأب: نعم. لأن اتخاذ مواقف صادقة غالباً ما يترتب عليه ردود أفعال وسلوك منسجم مع هذا الصدق وهذا له تبعات وخسائر يخاف منها الناس بشكل عام. الخسائر قد تكون في العلاقات الاجتماعية أو قد تكون في الأمور المالية وقد تصل التضحيات إلى مستوى بذل النفس في سبيل تقديم شهادة “صادقة” على العالم. ويزداد تعقيد الأمر كلما زادت امتيازات الإنسان وخوفه عليها لأنه يصبح من الصعب عليه اتخاذ موقف صادق تجاه الظلم مثلاً.
ليلى: لقد ضعت تماماً!
الأب: حسن، سأضرب لك مثلاً. تعرفين ما يحدث في العالم العربي من تغيرات وأحداث كبيرة وما نتج عنها؟
ليلى: نعم أعرف.
الأب: إن موقفنا من هذه الأحداث هو شهادتنا عليها، وشهادتنا عليها تفرض علينا موقفاً منها. لقد كان والد كميل صادقاً في رؤيته لمعاناة الناس ولم يتجاهلها أو يبررها، لقد كان موقفه منحازاً للفقراء والمساكين والمحتاجين، لقد كان موقفه واضحاً ضد القتل والتهجير ولو لم يكن صادقاً مع نفسه ومع الناس لما استطاع أن يتخذ هذا الموقف النبيل.
ليلى: آها. الآن بدأت أفهم وأربط الأمور مع بعضها
الأب: حقاً؟ وماذا فهمت؟
ليلى: فهمت أن الإنسان عليه أن يقف مع الحق ومع المظلومين وأن هذا الموقف لن يكون مجانياً. وفهمت أن الصدق هو أساس الشهادة لأنه بدون الصدق لن نستطيع أن نتخذ أي موقف ذي قيمة من الأحداث حولنا.
الأب: تماماً. أنت ذكية وبارعة حقاً يا ليلى!
ليلى: شكراً يا بابا. عندي سؤال أخير!
الأب: ما هو يا صغيرتي؟
ليلى: عندما يكون لدينا رأي وموقف معين من الأحداث أو كما تسميه أنت “شهادة” ويكون فيه مخالفة لأكثرية الناس، أو يتجاهله أكثر الناس، كيف نتصرف؟
الأب: نواجه ذلك بالالتزام بأمرين: الصدق والصبر. الصدق مع أنفسنا أولاً، ثم مع الآخرين، الصدق في رؤية الأمور كما هي واتخاذ موقف إنساني أخلاقي منها وإن أثر ذلك الموقف على بعض امتيازاتنا. الأمر الآخر هو الصبر على ما نتعرض له من خسائر بسبب مواقفنا، نصبر حتى تظهر الحقائق ونحل المشاكل.
ليلى: شكراً لك يا بابا، أعتقد أني جاهزة لأكتب بعضاً من الأفكار من أجل حفل التأبين.
تركت ليلى والدها وهي تفكر بأهمية الصدق والصبر ثم بدأت بصياغة بعض أفكارها التي ستتحدث بها في حفل تكريم الشهيد:
“لقد كان موقف والد كميل يعبر عن صدقه ونبله وقد ضحى بحياته في سبيل قناعاته وفي سبيل مساعدة الناس. لقد خسره كميل كما خسرناه نحن، ولكن علينا بالمقابل أن نصبر على فقدانه وأن نحاول أن نتابع ما بدأه الشهيد وأن نتعلم من صدقه وشجاعته ومن التضحية التي قدمها بأن نقف مع الناس وأن نحاول أن نخفف معاناتهم وألمهم”

شاركEmail this to someoneShare on Google+Share on FacebookDigg thisPin on PinterestShare on StumbleUponTweet about this on TwitterShare on RedditShare on TumblrShare on LinkedIn

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *